ابراهيم بن عمر البقاعي
397
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وآخره من ذكر الإحسان أن هذا الفريق محسنون ، وكان من المعلوم أن العاملين طبقات ، وأن كل طبقة أجرها على مقدار أعمالها ، اقتضى الحال بيان ما أعد لمن دونهم : وَمِنْ دُونِهِما أي من أدنى مكان ، رتبة مما تحت جنتي هؤلاء المحسنين المقربين جَنَّتانِ * أي لكل واحد لمن دون هؤلاء المحسنين من الخائفين وهم أصحاب اليمين ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : دونهما في الدرج ، وجعل ابن برجان الأربع موزعة بين الكل ، وأن تخصيص هذه العدة إشارة إلى أنها تكون جامعة لما في فصول الدنيا الأربعة : الشتاء والربيع والصيف والخريف ، وفسر بذلك قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « جنتان من ذهب أوتيتهما وما فيهما وجنتان من فضة أوتيتهما وما فيهما » « 1 » ثم جوز أن يكون المراد بالدون الأدنى إلى الإنسان ، وهو البرزخ ، فتكون هاتان لأهل البرزخ كما كان وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ من عذاب القبر فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي المحسن بنعمه السابغة إلى الأعلى ومن دونه تُكَذِّبانِ * أبنعمة اللمس من جهة التحت أم غيرها مما جعله اللّه في الدنيا مثالا لهذا من أن بعض البساتين أفضل من بعض إلى غير ذلك من أنواع التفضيل . ولما كان ما في هاتين من الماء دون ما في الباقيتين ، فكان ربما ظن أن ماءهما لا يقوم بأعلى كفايتهما قال : مُدْهامَّتانِ * أي خضراوان خضرة تضرب من شدة الري إلى السواد ، من الدهمة ، قال الأصبهاني : الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض وفي الأوليين الأشجار والفواكه فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي نعم المحسن إلى العالي منكما ومن دونه بسعة رحمته تُكَذِّبانِ * أبنعمة الذوق من جهة الأمام أم غيرها مما جعله مثالا لذلك من جنان الدنيا الكثيرة الري وغيره . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 66 إلى 78 ] فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ ( 66 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 67 ) فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ( 68 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 69 ) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ( 70 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 71 ) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ( 72 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 73 ) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( 74 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 75 ) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ( 76 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 77 ) تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 78 ) ولما كان ذكر ما يدل على ريهما ، حققه بقوله : فِيهِما أي في كل جنة لكل شخص منهم عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ * أي تفوران بشدة توجب لهما رشاش الماء بحيث لا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 4878 ومسلم 180 والترمذي 2528 وابن ماجة 186 وابن حبان 7386 وأحمد 4 / 411 من حديث عبيد اللّه بن قيس .